اخر الاخبار
الرئيسية 5 ( حنايا رواية وقصه ) 5 سيفتلانا اليكسيفتش (نوبل للأدب 2015) التساؤلات والإجابات

سيفتلانا اليكسيفتش (نوبل للأدب 2015) التساؤلات والإجابات

 

سيفتلانا اليكسيفتش (نوبل للأدب 2015)
التساؤلات والإجابات

كتبه:عبدالواحد اليحيائي

” من أجل كتاباتها متعددة الأصوات، التي شكلت معلماً للشجاعة والمعاناة.”

ومع إعلان سبب منح جائزة نوبل للآداب للصحفية البلاروسية سيفتلانا اليكسيفتش (SvetlanaAlexievich) في ديسمبر 2015 ظهرت التساؤلات الخاصة بمضمون الإعلان وبالفائزة بالجائزة، وهي تساؤلات تظهر مع كل إعلان سنوي بمسوغات الفوز بجائزة نوبل للأدب وبالفائز الجديد. وتثير عدداً من المراجعات بين التأييد والرفض عند الأدباء ونقاد الأدب، والباحثين في تاريخ الجائزة، والقراء المتابعين للشأن الأدبي في العالم كله، وتستمر المراجعات والمطارحات المتوافقة أحياناً، والمتناقضة غالباً، حتى يحين موعد الإعلان القادم في السنة التالية، ولعل في هذا التفاعل السنوي المستمر بعض مظاهر التغيير والتجديد التي ينشدها الأدباء حول العالم.
كان التساؤل الأول هذا العام ومن صلب سبب المنح “كتابتها متعددة الأصوات”!
هل الكتابة “متعددة الأصوات” نوع أدبي جديد لم يعرفه القراء من قبل؟
هل هو شعر، قصة قصيرة، رواية، أو خطبة، أو سيرة ذاتية، أو نقد أدبي أو فني…؟
ما المقصود تحديداً بهذا التعبير الفني؟
الكتابة متعددة الاصوات تعني نقل أصوات الآخرين وأفكارهم عن حدث ما، وبصورة جماعية. كما فعلت الصحفية الفائزة سيفتلانا اليكسيفتش في كتابها: “صِبْيَة من الزنك، أصوات سوفياتية من أفغانستان” وكتابها: الآخر، “شهادات وأصوات من تشرنوبيل” وكتب ودراسات أخرى (لسيفتلانا اليكسيفتش خمسة كتب فقط عبر مسيرتها الكتابية التي أوصلتها للجائزة)، حيث رصدت بشكل وثائقي شهادات العائدين من أفغانستان وشهادات ذوي أولئك الذين لم يعودوا منها أو عادوا لكن بإعاقات دائمة، وشهادات الناجين من حادثة تسرب الإشعاعات من مفاعل تشرنوبيل النووي، شهادات الزوجات والأخوات والأبناء، والآباء والأمهات، والمحبين، انطباعاتهم، وتعليقاتهم، مشاعرهم، واحتجاجاتهم، كل ذلك عبر موجزات سردية قصيرة لا تتدخل فيها الكاتبة، مشيرة أن هذا الأسلوب يسمح للصوت البشري بالتعبير عن نفسه. قالت في كلمتها الابتدائية التي قُرِأت نيابة عنها في ستوكهلم: “وصف فلوبير نفسه بأنه قلم الإنسانية، أنا أصف نفسي بأني أذنها. عندما أمشي في الشارع والتقط الكلمات والتعليقات والادعاءات. أفكر دائماً في الروايات التي اختفت في الظلام دون أثر. لم نستطع أن نمسك المحادثات الحية لرصدها أدبياً ولم نقدّرها، لم نفاجأ ولم نستمتع بها، لكن هذه الأصوات سحرتني وجعلتني التقطها، أحب الطريقة التي يتحدث بها الإنسان، أحب صوت الإنسان المنعزل، إنه عشقي وحبي الأكبر.”
لكن العشق وحده لا يحول الوثيقة إلى أدب، ولا يحول راصد التجربة إلى مبدع، ولا يجعل المؤرخ مستحقاً لأعلى جائزة أدبية ولا يميز الصحفي عن الأديب. التوثيق عمل أقرب إلى التأريخ وإلى عمل المراسل الصحفي. هل يستحق التوثيق نيل جائزة أدبية هي الأكبر في العالم مقابل أدباء آخرين تفرغوا للعمل الأدبي أكثر من تفرغهم لنقل الوثيقة عبر أصوات متعددة؟ أدباء شهد العالم بريادتهم الأدبية البحتة كميلان كونديرا أو فيليب روث أو هاروكي موراكامي؟
وهي المرة الأولى التي تفوز بها صحفية بجائزة نوبل للأدب، فاز بها فيلسوف من قبل هو برتراند راسل (1950) وشفع له يومها أن في كتابته الفلسفية حس أدبي، وأنه كتب (القصة القصيرة) وإن بقالب فلسفي كما فعل سارتر فيلسوف الوجودية بعد ذلك في مسرحياته ورواياته (فاز سارتر بالجائزة عام 1964)، وفاز بها أيضاً (عام 1953) – ورغم أنف الأدب ونقّاده – سياسي بعيد في الظاهر عن دنيا الأدب هو السير ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا، لكن شفعت له خطبهُ القوية والمؤثرة، إضافة إلى دفاتر مذكراته التي كتبها بأسلوب أدبي بليغ. وعند بعض النقاد فالخطبة والمذكرات الشخصية قد ترقى لتكون نوعاً أدبياً يستحق التقدير والتكريم، أما الوثيقة فهي أقرب للصحافة والتاريخ منها للأدب والأدباء، لكن لسيفتلانا اليكسيفتش رأي آخر في هذا المجال تحدثت عنه: “دائماً ما يقولون لي وحتى الآن إن ما أكتبه ليس أدباً، إنه توثيق. لكن ما هو الأدب اليوم؟ من يستطيع الإجابة على هذا السؤال؟ كل شيء تجاوز مداه: الموسيقى، الرسم، وحتى الكلمات في الوثائق تجاوزت حدود الوثيقة، هناك حدود كثيرة بين الحقيقة والصنعة الأدبية، لكن أحدهما ينساب في الآخر.”
وتجاوز الحدود يعني تحويل الوثيقة إلى مادة أدبية، أو لنقل صنف أدبي جديد بجانب القصة القصيرة، والرواية والمسرحية وغيرها من الفنون الأدبية على شرط واحد التزمت به الصحفيّة الفائزة، هو الالتزام بالإنسان وقضيته الكبرى، الإنسانية. وقد عبرت عن ذلك بشكل دقيق حين قالت: ” لقد صورت الحياة اليومية للمشاعر، الأفكار والكلمات، جمعت صور الحياة في زمني. أهتم بتاريخ الروح، الحياة اليومية للروح، الأشياء التي تحذفها عادة الصورة الكبيرة أو تزدريها، اكتب عن التاريخ الضائع.” وتابعت “أهتم بالناس الصغار، الناس الصغار العظماء، في كتبي يتحدث هؤلاء الناس عن أنفسهم، عن تاريخهم الصغير، ويكتب التاريخ الكبير نفسه عبر حكاياتهم” وفي قولها هنا تقاطع بين الأديب والمؤرخ.
في ثقافتنا العربية هل يمكن القول إن المؤرخ الشهير محمد ابن جرير الطبري مثلا أديب؟ أو هو مؤرخ فقط انشغل بالسند المتصل والوثيقة التي تؤكد الأحداث؟ وفق المعايير التي اختطتها سيفتلانا اليكسيفتش لنفسها وللنوع الأدبي الجديد فابن جرير الطبري مؤرخ فقط لأنه رصد الحدث لكنه لم يرصد رد فعل الانسان الصغير العظيم كما رآه، لم يرصد تعليقاته واعتراضاته وانطباعاته كما سمعها، لم ينقل هماً إنسانياً عاماً، لم ينقل معاناة بشرية نشأت عن المظالم والأخطاء والتدخلات غير المجدية. وفي تاريخنا الثقافي الحديث هناك الأديب المفكر عباس محمود العقاد الذي كتب سلسلة العبقريات، وباستخدام المعايير الجديدة التي أفرزها لنا الفوز الأخير في نوبل للأدب، هل كان العقاد وهو يكتب عبقرياته مؤرخ أو أديب؟ أو هو مفكّر ومحلل يملك قلماً أدبياً بليغاً استخدمه في تشريح العبقري كما يراه من حيث هو فرد في مجموع؟ لكنه أيضاً لم يحوّل الوثيقة إلى أدب، ولم يلتق بالعظماء الصغار حين كتب عن العظيم الفرد في التاريخ. الوثيقة عند سيفتلانا اليكسيفتش شيء مختلف، هي تاريخ الإنسان المتغير، أو بتعبيرها: “الوثائق كائنات حية تتغير كما نتغير”.
وقضية أخرى شغل أهل الأدب أنفسهم بها بعد فوز سيفتلانا اليكسيفتش بجائزة الأدب الكبرى، هي “المعاناة والشجاعة” التي اشارت لهما اللجنة في أسباب منح الجائزة. هل المعاناة والشجاعة من شأن نوبل للأدب أو نوبل للسلام؟ أي فرعي الجائزة العالمية أحق بسيفتلانا اليكسيفتش؟ ولماذا لم تمنح شيرين عبادي أو توكل كرمان جائزة نوبل للأدب بدل منحهما جائزة نوبل للسلام (عامي 2003-2011 على التوالي) إن كان معيار الفوز هو الألم والشجاعة؟ وبالتالي ألم يكن من الأفضل أن تنال الصحفية سيفتلانا اليكسيفتش جائزة نوبل للسلام كسابقاتها؟ لكن هناك فارق هو جوهر الموضوع، وينبغي التنبه له.
سيفتلانا اليكسيفتش ليست ناشطة حقوقية كشيرين عبادي، ولم تكن مناضلة ميدانية كتوكل كرمان. لكنها كاتبة استخدمت موهبتها الكتابية في نقل آلام الآخرين ومعاناتهم للعالم. حسّها الأدبي، وموهبتها في الاختيار بين الأصوات الأقوى والأفضل لتصل رسالة الذين عانوا وتحملوا بشجاعة إلى الإنسانية. قال لها أحدهم: “قصصك مخيفة، لماذا لا يوجد لديك أبطال؟ ” وكانت إجابتها “أنا لا أبحث عن أبطال، أنا أكتب التاريخ عبر حكايات الأشخاص الذين لا يهتم بهم أحد ومشاركاتهم في صنع هذه الأحداث”.
الكتابة، والقدرة على رصد لحظة الألم والمعاناة في نفس إنسان ثم نقلها عبر الكتابة لإنسان الآخر بطريقة موحية عبر صوت المتألم المعاني هو في بعض أشكاله ما خلق أدب الصوت الآخر المتعدد الذي تمثّله الصحفية سيفتلانا اليكسيفتش والذي فاز بجائزة نوبل للأدب عام 2015، لنتركهم يقولوا حكاياتهم وللننقلها للآخر كما وقعت فعلاً دون مشاركة فعلية في الحدث المؤلم نفسه.
أن يسمع القارئ، أن يتألم، أن يتعاطف، فتلك قيمة إنسانية راقية ومطلوبة، وهي أعظم ما تكون إن تحولت إلى رغبة في القضاء على الخوف والشر في العالم، الرغبة في الوصول إلى المدينة الفاضلة أو الوصول إلى العالم المثالي كما عبرت عنه سيفتلانا اليكسيفتش، “لقد قمت بتأليف خمسة كتب، لكني أشعر أنها كتاب واحد، كتاب واحد عن المثالية” المثالية كما ترجوها لوطنها بلاروسيا وللعالم من حولها. وهنا قضية ثالثة شغل متابعو الجائزة أنفسهم بها، وليس للمرة الأولى أيضاً، هي الجائزة والسياسة الدولية.
في عالمنا العربي وحين فاز أديبنا الكبير نجيب محفوظ بنوبل (عام 1988) قيل إنه فاز لأن آراءه الفكرية أيّدت التقارب وتطبيع العلاقات مع الاسرائيليين. ولحرمان شاعر وناقد رائع كأدونيس سببٌ عند هؤلاء المتشككين بآلية العمل للوصول إلى الفائزين بالجائرة، ذلك هو مواقف أدونيس المؤيدة عند بعضهم للنظام الشمولي في سوريا. وعقب فوز سيفتلانا اليكسيفتش قيلت الكلمات نفسها حول الجائزة والسياسة، فالصحفية والأدبية من أكبر معارضي النظام السياسي في بلدها بلاروسيا، وأيضاً هي من معارضي سياسات التدخل العسكري التي يتبعها الرئيس الروسي بوتين في العالم سواء في أوكرانيا أو سوريا، ولم يفتها الإشارة إلى ذلك في كلمتها الطويلة حين قالت: ” مرة أخرى نعيش في عصر القوة، الروس يقاتلون إخوانهم الأوكرانيين. والدي من بلاروسيا، أمي أوكرانية، وهذه حال كثير من الناس حين تقصف الطائرات الروسية سوريا.” وهي مواقف في مجملها تتسق مع مواقف الغرب السياسية وذاك ما ساهم في إعطائها أفضلية على غيرها من المرشحين للجائزة هذا العام – كما يعتقد البعض – رغم أفضلية أولئك الآخرين حسب وجهة نظرهم.
والحديث عن جائزة نوبل والسياسة الدولية جدير بالبحث. لكنه مع وجاهته لا يلغي موهبة الحائز على الجائزة وتأثيره في مجاله الأدبي إن في وطنه أو في العالم كله. فسواء أيّد الراحل نجيب محفوظ التطبيع مع اسرائيل أو لم يؤيده فسيبقى استحقاقه لنوبل حقيقياً لمجمل تأثيره في الرواية العربية خصوصاً، والعالمية عموماً، والأمر يصدق على سيفتلانا اليكسيفتش لأن قدرتها على نقل الوثيقة بأصواتها المتعددة من مجال التاريخ إلى مجال الأدب حقيقي أيضاً وتؤكد موهبتها وأحقيتها بجائزة نوبل للأدب.
في المقابلة الخاصة التي اجريت معها فور إعلان فوزها بالجائزة أجابت سيفتلانا اليكسيفتش على سؤال، لمن تكتبين؟
” عندما أكتب أحب أن أشعر أني أتحدث مع أصدقاء أعزاء، أتمنى إخبارهم عما أدركته من هذه الحياة. أبداً لم أقبل دور القاضي، كما أني لست كاتبة سجل تاريخي بحضور بارد، قلبي كان هناك دوماً. السؤال الذي يقلقني هو إلى متى سنستطيع المشي في طريق الخوف؟ كم سيتحمل الإنسان ذلك؟ الشعر المأساوي مهم بالنسبة لي، مهم حين يقول لك أحدهم أنه قرأ هذا الكتاب أو تلك القصيدة وشعر أنه بحال أفضل. يتألمون وتدمع عيونهم، وهي دموع نقية خالصة، وتلك مهمة كاتب المأساة، أن يُشْعِر الناس بألآم بعضهم البعض، وليس تخويفهم أو إرعابهم.”

 

عن الكاتبة/ ريماس التميمى

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحب حين يكون سببًا للتعاسة «1»

الحب حين يكون سببًا للتعاسة «1» قراءة – سعد عبدالله الغريبي: رواية (شرفة لامرأة واحدة) ...