اخر الاخبار

غربة

غربة
قصة صغيرة

كتبها: عبدالواحد اليحيائي

مازلت أتذكره رغم الزمن الطويل: قصير القامة، بوجه أبيض بشوش ومليء بالحب، وشارب خفيف فوق ذقن حليق دائماً، وثوب أبيض أنيق، وعقال يخترق رأسه ويخلق ما يشبه قبة مسجد صغير في قرية نائية، ذاك كان سمتهُ عند خروجه للقيام بعمل ما مساعدة لأحدهم، أو عند ذهابه صباحاً لعمله الحكومي في مركز البريد العام والقريب من غرفته الصغيرة في بيت العائلة الكبير. أما في أحواله العادية فقد كان يكتفي بطاقية بيضاء على رأسه موزعاً مرحه وضحكاته على الجميع. كانوا يقولون إنه مهلّوس، وغامض، وعجيب، ويضحكون كثيراً من اهتماماته، فيما كان يبادل ضحكاتهم وأراءهم بابتسامة خفية. حتى أبي وصفه بالغرابة، وبتعبيره: ضرب في راسه فيوز. معللا ضربة (الفيوز) تلك بقصة حب قاسية من طرف واحد بُلي بها الرجل في شبابه فأفقدته التوازن بعدها فلم يتزوج وإن زعم بعضهم أنه قد تزوج إحداهن أثناء رحلته الأخيرة إلى الهند.
حين اختفى، راح أبي وغيره من أبناء عمومته يفتشون غرفته الصغيرة، وجدوا بعض الأوراق والكتب والقرطاسية ومجموعة من الأقلام، وأشياء أخرى: صور لأماكن وأشخاص من الحياة العامة، أكواب برسوم ونقوش مختلفة، صندوق يصدر موسيقى بمفتاح، طقم شطرنج، ساعة تعمل بتعبئة مفتاحها مرة واحدة كل يوم، وصورة قديمة لفتاة جميلة من أقاربه مزقوها فوراً بقصد الستر عليها.
تحيط بي الأوراق والكتب والأكواب الصغيرة من بلاد مختلفة، وصندوق موسيقى صغير بمفتاح. وبجواري طفلة تضحك وتشير إلى رأسي مرددة: جدو فين شعر رأسك؟!

 

 

عن الكاتبة/ ريماس التميمى

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحب حين يكون سببًا للتعاسة «1»

الحب حين يكون سببًا للتعاسة «1» قراءة – سعد عبدالله الغريبي: رواية (شرفة لامرأة واحدة) ...