الرئيسية 10 ( حنايا رواية وقصه ) 10 اللغة الإدارية تهيمن على اللغة الإبداعية

اللغة الإدارية تهيمن على اللغة الإبداعية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اللغة الإدارية تهيمن على اللغة الإبداعية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم

الاديبة / سعاد الورفلي

لاحدود للغة العربية ، وليس هناك نقطة تقف عندها لتمنع غيرها من التجاوز ، حتى تلك المفردات التي تعتبر شاذة وتخرج عن السياق ؛ استساغ لها علماء اللغة مبررات وقواعد تنقذ صاحب اللسان من هفواته وتفتح صدرها مرحبة بكل كبوة (لأقيستها وعللها وتنظيراتها ) محولة ذلك في بعض الأحيان إلى مجاز تجيزه تلك اللغة في ظل قاعدة لايقاس عليها ، أو غير مسموع …
ومن توسع هذه اللغة حتى احتار أولو الفكر والكلمة في بحرها الخضم ، ماذا يأخذون وما يتركون … يرادف أم يضادد ، يقابل أم يشاكل ، ينتقي فيحتار مع كل انتقاء للتوسع والمجاز والإطناب والاسترسال والاستطراد والتأكيد والإسناد ، والاستعارات والكنايات ووجوه البيان والبديع والمعاني.
لقد وجه الناشئة فيما بعد إتقانا لمسوه في حياتهم اللغوية بعد الجموعات التي جمعها الأولون في أسرار اللغة وحياتها من شروحات وترجمات وصنوف طبقات ، فانبرات المجالس وعقدت المناظرات وطرحت المسائل ، وتكونت الأفكار وتلاقحت المفردات القوية بالغريبة والجديدة ، وماكانت في مكنوناتها مطوية .
وحينما ننظر في فترة من الفترات كما في القرن الثالث الهجري ؛سنجد أن هناك من الناشئة الذين ذرب لسانهم على إتقان اللغة . وإلماما بخصائصها الفائقة الجمالية منها ؛ كالإيقاعية والمعجمية والنحوية والصرفية ،فكانوا يقرؤون الشعر دون عناء أو مشقة –بل –ويتذوقون ربيع مفرداتها .
وما انتشر –آنذاك- من بعض العامة هو أنهم كانوا يستخدمون بين فترة وأخرى ما يشيع من مفردات مولدة ، فانتشرت إلى جانب العربية على ألسنتهم ..أضف إلى ذلك توالي السلطات واختلاف الجناس أدى إلى إهمال بعضهم الاهتمام بالعربية الفصحى وإجازته استعمال العامية والدخيلة “اللهجات المولدة” إلى الحاضنة العربية ؛ فسرت ْ ونمت وتناسلت على ألسنة العوام من الناس بل وحتى المختصين .
وفي تلك الفترة أيضا ظهر الكتّاب والأدباء من يحمون ويذوذون عن حياض اللغة ويكتبون عن جواهرها ولألئها ..
فكتبوا في الاشتقاقات والصيغ ، والمترادفات ، ودلالة اللغة والقياس والذي ينقاس عليه والذي لاينقاس ..وتبادل الحروف ومخارجها وأصواتها وإيقاعاتها ، وأنواع أفعالها وأزمانها ، والدخيل والمولد والمعرب ..والمأخوذ وماله أصل في العربية وما لا أصل له. وأسباب الدخول وكيفياته ومواقعه وأضراره وغرائبه ومُشْكله .
كان العرب آنذاك يعرضون أشعارهم وأقوالهم ونثرهم وفنونهم على أولي الخبرة والمهنة ؛ فمنهم من يُجاز ومنهم من يُنهر ،
ومنهم من يُسكت عنه .
بل كانوا ينكرون على بعضهم سماجة الأسلوب أو غثّ الكلمات وتدفقها وحشوها دون إفادة ، أو عدم استساغة وإن كان الغرض مُؤدَّى .!
فالقياس والسماع أخذ منحى آخر وتكونت فيهما الكثير من المدارس ، وظلّت كل مدرسة تعمل وتُقعِّد للنظرية التي تنتحيها وتتبناها وتؤيدها بالأدلة والأقوال والشروحات .
وكان القياسيون يؤيدون أدلتهم بالاشتقاقات الصرفية ويضعون الضرورات ؛ كما في الضرورات الشعرية وأوزان الشعر وما يتعرض له الوزن من علل وزحافات وإضمار وغيره . فهناك من ناقضهم آخذا مأخذه عليهم وهو من المحافظين الذين لايسوِّغون ولا يجوِّزون الإضافات وكثرة القياسات والبرهنة والتبرير ، دون حاجة إلى ذلك محْتجين : أن اللغة ليست بحاجة لكل ذلك الدأب والتزاحم على الوضع والتعليل والتعريب والقياس وغيره…
ومن النوادر أنهم كانوا يركزون –أيضا- على أساليب النطق ويفرقون بين نفس الكلمة من حيث نطقها بكسر عينها أو بفتحها أو ضمها .. ويعيبون على من يقع في لغط التشكيل والنطق باللحن دون وجه حق أو علة فموية تعيق لسانه .
ومن الطريف أنهم كانوا يكبرون الرجل أو ينتقصونه بنطقه وأسلوب لغته ؛ فإن كان بيانه قويا أشادوا به وضربوا له المثلات ، وإن كان ركيكا معيبا استهجنوه وتركوه ولايأخذون منه ولاعنه وإن كان راسخا بينهم محترما في قومه. كانت لغته لسان شخصيته وأسلوبه بل موقع محبة الناس من حوله .
ونحن إذ نكتب في إطار نوعين من اللغة بيْد أنها لغة واحدة ، حيث تعّنْوَن المقال بـ(اللغة المهنية تهيمن على الإبداعية ) ؛ كان ذلك لحاجتنا إلى تبيين ذلك .
فاللغة الإدارية في زماننا هذا تختلف اختلافا كبيرا عما نسميه نحن الإبداع والفن والخيال في اللغة ، ولو تقوّل قائل إنه من غير المعقول أن يكتب إداري رسالة إدارية ؛ مخاطبة أو مراسلة أو طلب فيه لون من البيان والاستعارات والكنايات ما يلم بموضوعه . بل ستكون تلك المراسلة مردودة عليه يُطلب منه إعادة صياغتها على الوجه المطلوب .
وقد جعلني هذا الأمر أكتب فيه بسبب أنني قد استوقفت قلمي هنيهة حينما كتبت فيما يشبه الحديث عن اجتماع لتحضيرات العام الدراسي المقبل ، فوجدتني عاجزة أن أكتب التشبيهات والاستعارات والكنايات ، وكمٍّ من الصور الخيالية في تشبيه استعدادنا للمدارس ، وكيف سيكون حالنا هل هو أفضل أم نسير على نفس الوتيرة فكان الأسلوب ممقوت والقيافة اللغوية غير مقبولة …ورأيتني أبتعدُ عن المطلوب –بينما- يراه بعض المسؤولين شيئا من التوغل والإيغال والبعد عن الموضوع الذي من أجله اجتمعنا ، فأوسطهم طريقة سيقول اجتمعنا لا لنقول شعرا أو نصف المرابع وأظننا أننا لانغني.
فالحالة هذه جعلتني أصنف اللغة في الميزان الإداري لها سلطتها وكينونتها التي لاتستطيع أن تتجاوزها إلى غيرها .
فالثقافة اللغوية مهمة جدا في تعاملنا الإداري العملي ، رغم أني من المفضلين للاستعمالات اللغوية الإبداعية في بعض محاضر العمل ، رغم انتقاد الكثيرين لي لاستساغتي أسلوب الأدب على الأسلوب الإداري في المعاملات الإدارية . وقد ظهر ما يعزز اللغة الإدارية في زمن من الأزمان ألا وهو العصر العباسي ، حيث وجد لون من الرسائل يسمونه الرسائل الديوانية ؛ وهي تتعلق بوجوه العمل المتنوعة –آنذاك- فلكل قسم جعلوا له ديوانا معينا يشبه في وقتنا الحالي الإدارات والبلديات ، فكان-حينذاك- ديوان الجند وديوان الخراج ، وديوان العمال …وهكذا وكان لكل ديوان كتّابه خاصة الذين يبرعون في كتابة الرسائل والمخاطبات فيما يتعلق بشؤون البلد أو الولاية أو بلاط الحاكم ، فيتفنن الكتّاب في وضع صيغ تتمشى ونمط الكتابة الديوانية تلك التي تختلف اختلافا كليا عن الكتابة الأدبية الإبداعية .
وقد تميزت معظم تلك الرسائل بالمباشرة والوضوح تماما مثلما تقوم عليه المخاطبات الإدارية –الآن- .
إلا أن ما يمتاز به الأسلوب في الرسائل الديوانية : الجزالة ، الرصانة ، الدقة في التعبير ، تروق للأسماع والأذهان ، متوازنة متقابلة ، في بعضها يكثر التفاصح ، بعض قطع الرسائل الديوانية تمتاز بالقصر مع الصياغة الجزلة الرصينة. أيضا بعضها تميز بظاهرة السجع حتى صار سمة عامة وهذا راجع حينها لقرب عهدهم بالفصحى الأم وباهتمامهم باللغة ؛ فكانوا يوظفون ما في أنفسهم من بصماتها ويدِرُّون به على الرسالة الديوانية ليكون وقعها أشد وأداؤها أمضى وأسرع ، وأسهل وأعجل ..
أما الذي عليه اليوم من أساليب ؛ فسيادة الأسلوب الجاف والمباشرة الواضحة التي لاتحتاج إلى تصريف أو بحث في معاجم أو إعمال فكر ، أو تطلّب بديهة حاضرة ..
إنما يقرأُها العامُ والخاصُ ويفهمها كل ُّ من يمر عليها .
فاللغة الإدارية شقت طريقها لتقفل على لغة الإبداع والتصوير غير المباشر في الحديث عن مَهمة ما أوتعريض لاجتماع أو تذكير لعاملين بأعمالهم أو جهة من الجهات تودُّ أو تنوي فعل شيء إداري . فإن اللغة في هذه الدوائر مجالها محدود ضيق ، إن اتسع غير مستساغ تظل تدور في قالب موحد معين وإن اختلفت المواضيع ، وبعضها يتصف بالأخطاء الشائعة تلك التي صار لها قَبول من نوع خاص ومفهوم وذائقة تتقبلها ولاتمجها ، وتحشيدها في المراسلات .
بل تجد المسؤول يؤكد على هذا الأسلوب ويستغرب ما عداه ويؤكد على هذا الأسلوب رافضا أي بديل آخر قد يكون فيه من الإبداع ما فيه ومن البيان ما فيه ؛ نظرا لما ألِفهُ وتآلفه كثير من الناس ومن المرسل إليهم ومن الجمهور المخاطب .

 

 

 

 

 

 

 

 

عن الكاتبة/ ريماس التميمى

تعليق واحد

  1. ناصر بن حويل

    ايداع واحيي ثقافة فكرك الرائع وقلمك المبدع

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رَفَقَ بالحيوان فكانت المكافأة عاجلة بقلم الكاتب منصور المحمدي

روافد: الكاتب: منصور المحمدي (رَفَقَ بالحيوان فكانت المكافأة عاجلة) قصة حقيقية وثقتها ممن عاصرها ولا ...