الرئيسية 10 ( حنايا رواية وقصه ) 10 المفردة اللُّغوية وقيمتها

المفردة اللُّغوية وقيمتها

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المفردة اللُّغوية وقيمتها

 

 

 

 

 

 

بقلم

الكاتبة/ سعاد الورفلي

كما نعلم جميعا؛ فإن اللغة العربية تحظى بمخزون وفير في كثرة المفردات ودلالاتها، والمترادفات ومقابلاتها.. وفي كل حال نرى وجها تتقلب الألفاظ فيه حيثما شاءت يمنة ويسرة وتجد من البراهين والدلالات التي تجوِّز وتسوغ استعمالها على كل هيئة ووجه قيلت فيه، وحينما نضرب المثل بهذه الصورة فسنقف على عديد الاستعمالات والضروب في شواهد متآلفة متناغمة تعطي للإيحاء اللغوي الذي من أجله تكونت الصورة اللغوية.

ففي كل باب من أبواب اللغة دلالة تأخذ بيد القارئ وتتوسط به بحار أبوابها وفرائدها؛ ليلجَ من أوسع أبوابها حتى أن الكاتب ليحار أمام ضخامة المفردات، وقيمتها العميقة فينهل نهلة تكفيه مؤنة العتاد..

فالمفردة العربية أوتيت من بناء القوة ما أوتيت وهي قادرة على العطاء دون أن ينضب معينها، ولنا في المفردات الغريبة والشواهد القوية، والاستعمالات المتنوعة أكبر دليل في تعاطيها للعديد من الأبنية.

يقول الدكتور نهاد الموسى في كتابه اللغة العربية وأبناؤها: ‹‹حين شرعتُ في فرز الأخطاء؛ وجدتُ أن كثيرا منها يمكننا أن نجد لها وجها في العربية إذا نحن اتخذنا معيارا عريضا هو معيار الائتلاف الذي أقيم عليه وصف العربية››.

وهذا ما أشرنا إليه من التوسع في العربية وقيمة المفردة التي لا يمكن الاستهانة بها بأي حال من الأحوال، مهما انحرف بها المسار ولاكتْها الألسنُ على غير الوجه المعروضة له، فاللغة العربية لها من القوة البيانية ما ليس لغيرها من اللغات الأخرى الحية والمستعملة. وهذا يدل على رسوخها وقوتها، التي لا نقصد هنا فقط أن نتباهى لأجل التباهي وحسب بل لتبيان الحالة التي عليها لغتنا فهي تستحق بحق أن تكون جديرة بالأساس الأول والدرجة الرفيعة التي نالتها ولا تزال تنالها. ومن الشرف العظيم أن كتاب الله العزيز نزل بلغة العرب.. وختم بها الرسالات فكانت بكل فخر أمًّا من جذورها تستنبط المفردات.. وتُطرح العبارات.. وتتسابق إليها الأقلام وتهفو العقول بجاذبية القلوب لنيلها ودراستها..

بل إن أصحاب اللسان الأعجمي عاجوا فمالوا ميلةً لم يبرحوا شواطئَها وظلوا ينهلون ويعبُّون ويؤلفون المؤلفات فيها حبا وكرامة لِما رأوه من إعجازها المبهر وعطائها المنفرد. بل صاروا أحرص عليها من أهلها وبني لحمتها..

ومن المعلوم أن العربية تميزت عن غيرها بقاعدتها القوية المأخوذة من عدة لهجات من بطون قبائل عربية مختلفة، كانت تسود في الجزيرة العربية قبيل الإسلام وبعده، هذه اللهجات المنحدرة من هذه البطون الأصيلة الموغلة في العربية حتى النخاع اشتركت في الكثير من مفرداتها، وكان الاختلاف ميزة لا عيبا.. بل أعطاها مدارك وآفاقا أرحب وأوسع، تمشيا مع الألسنة التي تتكلمها وتلهج بها على رقعة الأرض شرقها وغربها، شمالها وجنوبها، كل على مقدرة لِين الحرف مع لسانه أو فخامته أو همسه.. فللطقس والمُناخ والطبيعة تحكّم في التأثير على طبيعة النطق..

إذا كانت القبائل العربية تجمعها الجزيرة العربية وتباعد المسافات لم يكن بذلك الكم المعدود الكبير فاختلفت اللهجات، فما بالك واتساع رقعة الأرض باللسان العربي؟ فمن الطبيعي أن يميل اللسان وينطق بطي أو بهذيل أو بالحجاز..

فالإيقاعات اللغوية، والمقامات المشبعة، والأصوات كلها تتميز حسب الموطن والطبيعة والإنسان.. ويبقى الأصل: اللسان العربي الذي نعود إليه مرجعا ومصدرا لا يمكننا الاستغناء عنه مهما كان مستوى النطق وقوة البيان.

فالنُّظم التي اشترك فيها الحرف العربي واللسان الناطق به، كان على أسس التناول الصوتي والصرفي والنحوي والدلالي والمعجمي، ومع بداية التقعيد التي اجتهد النحويون كثيرا في العمل به، بل والتعويل عليه في تأسيس قواعد يعود إليها الباحث والدارس لعلوم اللغة أخذا من تلك القبائل واللهجات التي تداولت في البادية العربية نظرا للصفاء، فكان البناء العربي قائما على التصفية والتنقية من مصدر الرواية الشفوية لسانا بلسان وقريحة بقريحة.. ومقابلة كل تلك المفردات والبحث في أعماقها وضروبها ووجوهها ومعانيها ومؤداها.. وقيمتها اللغوية إلى أن وصل اللفظ العربي درجة من الصفاء والبهاء والتأثير نفسيا وعقليا ودلاليا، فكان له من القوة ما ليس لغيره.. لثبات الأصل ووجود المنشأ وصفاء المصدر.

أما تلك الاختلافات التي نشأت كما أشرنا فكان لها تأثير المنفعة ودلالة القوة: كإعمالهم “ما”، التي تسمى الحجازية.. فأهل الحجاز أعملوا “ما” عمل “ليس”.. بينما قبيلة تميم، وهي إحدى القبائل التي جعلت لهجتها أساساً في اللسان العربي ومرجعاً، فقد أهملت “ما”؛ أي لم تعملها عمل “ليس” وجعلتها مهملة في الاستعمال اللغوي.. أي أبطلوا التأثير الإعرابي لها.. والمختار في أيهما عمل أو شاء فقد أصاب. وهذا من باب التوسعة في لغتنا، وعمق دلالتها، مما يجعلنا نطمئن للاختلاف الحادث الذي لا يؤدي إلا إلى صواب وأصوب، وصحيح وأصح، ودقيق وأدق، وعميق وأعمق، وشديد وأشد، وقوي وأقوى، وبليغ وأبلغ..

إن مقاييس الاستعمال في اللغة العربية كانت فاعلة بقوة في تأسيس المفردة، وإعطائها مدلولا مريحا للمستعمل الذي يقف حائرا ومشدوها من أثر الكلمات التي تطرأ عليه فتتسبب في إرباكه أثناء استعمالها، ويظن كل الظن أنه قد لحَنَ أو أخطأ بيْدَ أن تلك المفردة لها مقياسها ورمزها الذي عليه الباب من مادة أحدِ الأفعال بتشكيل مغاير.

إلى جانب المألوف من السماع وتأثيره المباشر في دقة النقل اللغوي.

أما اختلاف الآراء في استعمال المفردة فقد أفاد إفادة عظيمة للمتلقي العربي وطالب اللغة أينما كان.. فدائما الاختلاف في العلوم له فوائده الجليلة والعظيمة، فما بالك إذا كان ذلك الاختلاف في أداء المفردات؟!

فاختلاف البلدان والمناطق والدول التي تتكلم العربية وتتنوع لهجاتها؛ لا يعني ضررا على لغتنا القوية، حتى وإن تسرب اللحن، لِما للمفردة العربية من مناعة قوية للتصدي لكل الغريب غير المألوف أو الملحون فيه.

بل إن بعض المجامع اللُّغوية قد أوجدت باب الترخيص لبعض اللهجات المحلية المستعملة؛ لأن لها أصولا في العربية لولا طارئ النطق في بعض المفردات بين الإمالة والتفخيم والترقيق والاستطالة والإشمام والتفشي.
وغيرها من صفات المخارج وطريقة استعمال اللسان العربي حينما أوغل في المحلية وصارت المفردة المكسرة بقايا من أصول قوية راسخة ما رسخ الزمان.

 

 

 

 

 

 

عن الكاتبة/ ريماس التميمى

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رَفَقَ بالحيوان فكانت المكافأة عاجلة بقلم الكاتب منصور المحمدي

روافد: الكاتب: منصور المحمدي (رَفَقَ بالحيوان فكانت المكافأة عاجلة) قصة حقيقية وثقتها ممن عاصرها ولا ...