اخر الاخبار
الرئيسية 5 ( حنايا رواية وقصه ) 5 أسطورة ابن جربوع !!! بقلم منصور المحمدي

أسطورة ابن جربوع !!! بقلم منصور المحمدي

روافد:

الكاتب المهندس: منصور محمد المحمدي

( أســــــطـــــــورة ابــــــن جــــــــربـــــــوع )

من القصص التراثية والتي تضمنت بعض الأقوال التي ذهبت أمثالاً دارجة ،قصة إبن جربوع والتي كنا نسمعها في صغرنا عندما نجلس مع الرجال في مجالسهم المعتادة والتي تُسمى الشَّبَّات وهي جمع لكلمة شَبَّهْ والمشتقة من شَبَّتْ النار ويقصد فيها إشعال النار ( شَبَّ النار ) بغرض عمل القهوة وقد عاصرت الشبات في منطقة العيون بخيف الصادقية وكانت الشَّبَّه كأنها مهمة رسمية والتزام إجتماعي هام فتكون الشبه كل يوم عند واحد من الجيران حتى تدور على جميع الحي بحسب عدد البيوت وهي متوارثة عبر الأجيال ،وإن تلاشت الآن ولم يبق منها الا عدداً قليلاً جداً ، لذهاب الأجيال التي كانت تحرص عليها ولإختلاف حياة الناس عما سبق من ناحية طبيعة أعمالهم و ظروفهم الإجتماعية وتحول بعض الناس الى الإستراحات التي يجتمعون فيها أحيانا بشكل يومي والتي تعتبر بديلاً عن الشبات مع الإختلاف الشاسع في المحتوى والمضمون كما هو الإختلاف بين جيل الشباب في هذا الزمان وجيل الآباء والأجداد، وكانت الشبه تبدأ من بعد صلاة الفجر الى الضحى ومن بعد صلاة العصر الى صلاة العشاء وفي مكان ومجلس مفتوح للجميع والجلوس والإستماع وتناول القهوة والتمر والشاي ، والقهوة في الشبه تعمل بطريقة معينة ولها بروتكول وقواعد وقوانين ، وتمثل الشبه إجتماع يومي لأهل الحي والأقارب والأصدقاء ومعرفة أحوال بعضهم البعض وتبادل الأحاديث والأخبار والقصص والأمثال والأشعار والألغاز ، فقد كانت الشبات مدرسة واقعية وتدريب عملي على العادات والقيم والأخلاق والتي يغرس بعضها في النفوس وتؤثر بالسلوكيات بما يراه الصغير أمامه من أحداث وقصص ونصائح ومعاني وأمثال، وحتى بعد دخول التلفاز الى حياة الناس فقد كان محظوراً دخوله الى الشبات حتى لا يذهب ثمرة المجلس كما يقول أصحابها ، وقد ذهبت وتلاشت تقريباً عادة الشبات الا في بعض القرى والهجر التي لا زالت تتمسك بها ، وما أجملها من مجالس تعلمنا فيها الكثير وسمعنا فيها من القصص والأمثال ما أوشك على الإنقراض .
وقصة إبن جربوع كانت تقال لنا وخصوصاً إذا أظلم الليل وكان الوقت شتاءاً والبرد شديداً والنارُ تشتعل في حطب السمر الجاف ومجتمعٌ حولها الجميع، وتبدأ الرواية بأن ابن جربوع كان كما يقال كثير الأسفار ، قد يكون ممن يوصلون البريد الى القرى البعيدة على ظهور الإبل وفي إحدى رحلاته قابل في طريقه رجلاً مسافراً على بعيرٍ له فطلب الرجل مصاحبته في الطريق ، وبعد إستراحتهما للغداء في ظل شجرة كبيرة وقبل مغادرتهم ومواصلة المسير الطويل إقترب منهم خروف كبير الحجم شديد السواد وهم في منطقة خالية لا يوجد فيها أحد ، فقال ابن جربوع لصاحبه ، سنأخذ الخروف معنا ويكون لنا عشاء أو غداء ووضعه في الخرج خلفه على ظهر بعيره ، وأنطلقا في مسيرهما وبعد دخول الليل وكان عليهم سحاب كثيف أسود والظلام شديد حتى لإيكاد يرى أحدهم طريقه وبدأ البرق يسطع في السماء فيضيء الأرض والطريق ، وأثناء ذلك لا حظ رفيق ابن جربوع أن الخروف إذا برق البرق يضحك وأسنانه بيضاء طويلة تلمع مثل السكاكين ، ففزع من هذا المنظر المخيف ، فعدل هارباً عن ابن جربوع وناداه بصوت عالي وقال له ( يا بن جربوع إذا برق البرق طالع ( أي أنظر ) في ثنايا حروفك ) ، وأنطلق هارباً ،وراحت هذه العبارة مثلاً يضرب لمن يراد أن ينبه الى شيء قريبٍ منه غير متوقع ، فلما برق البرق نظر ابن جربوع خلفه فرأى الخروف قاعداً في الخرج ويضحك وأسنانه تلمع على ضوء البرق كأنها السيوف ، فعرف أن خروفه ليس خروفاً عادياً وكان ابن جربوع يتصف بشجاعة كبيرة ورباطة جأش نادرة فمشى مسافة ثم أناخ بعيره، وأنزل متاعه ، فصار هذا الخروف يقلد ابن جربوع في كل ما يعمله وهو يضحك في ظلام الليل الذي لا يكشف سواده الا ضوء البرق الساطع ، فإذا جلس ، جلس الخروف مثله وإذا مشى ، مشى مثله ، وإذا عطس ، عطس مثله ، فأشعل ابن جربوع النار ، وكان بقربهم أشجار يابسة كثيفة أصبحت هشيماً وتسمى ( هيش ) ، فقام ابن جربوع بإخراج الزيت المستخدم للفانوس وإشغال النار ونزع ثيابه وصار يدهن جسمه بهذا الزيت ، فأخذ الخروف الزيت وصار يدهن جميع جسمه المغطى بالشعر بهذا الزيت ، ثم أخذ ابن جربوع عوداً ووضع رأس العود في النار حتى إشتعل رأس العود وأصبح جمرة ، فصار يحك ظهره بالطرف الذي لم يشتعل من العود ، فقام الخروف بعمل نفس الشيء ولكنه حك ظهره برأس العود الذي فيه النار و عندما لمس العود شعره المبلل بالزيت ، إشتعلت النار فيه فأصبح يصرخ يا بن جربوع وين أروح يعني أين أذهب ، فقال له ( عليك بالهيش عساك ما تعيش ) يعني ادخل بالهشيم من الأشجار اليابسة ، فذهب مسرعاً ودخل فيه فأشتعلت نار عظيمة هلك فيها هذا الوحش الذي كان ينوي أن يفترس ابن جربوع ويأكل لحمه وعظامه وذهبت هذه العبارة مثلاً. وكانت هذه القصة أو الأسطورة تعطي للسامع معاني عديدة منها عدم الإعتماد على شخص تعرفه لأول مرة أو تعرفت عليه في السفر أو الطريق وتثق فيه الا بعد أن تجربه في المواقف والأحداث فقد يتخلى عنك وأنت في أمس الحاجة اليه ، وأن ما كل من يسدي لك نصيحة يريد لك الخير خصوصاً إذا كان عدواً وأن تقليد الآخرين وما يصنعونه بدون معرفة تامة بجميع التفاصيل والظروف قد تؤدي الى عكس النتائج المرجوة وكذلك أن الشجاعة ورباطة الجأش خصوصاً في المواقف المفاجئة التي قد تتعرض فيها حياة الإنسان للخطر قد تكون من أسباب نجاته ، كما أن الإنسان قد يحمل معه ما يكون سبباً في هلاكه وهو يطمع بفائدته ويحرص عليه ويقربه منه كما حمل ابن جربوع الخروف خلفه ووضعه على بعيره ، معاني عديدة في هذه القصة الأسطورية التي سمعناها مراراً وتكراراً في طفولتنا ورسخت أحداثها في الذاكرة وقد تكون إقتربت من الإنقراض كما إنقرض الزمان المصاحبة له وإن كانت معانيها باقية ما بقيت الحياة .
الْخِرْج: يصنع من الجلد ويوضع منتصفه على ظهر الدابة وله جانبين تلاصق جانبي الدابة وتوضع فيهما الأغراض .
شَبَّ النار : أشعل النار
الهيش : الأشجار اليابسة المتشابكة التي أصبحت مثل الهشيم.

للتواصل مع الكاتب

mansourmf@gmail.com

عن سلطان المشيطي

سلطان نايف المشيطي كاتب اجتماعي رئيس تحرير صحيفة روافد عضو هيئة الصحفيين السعوديين، عضو أكاديمية روافد للتدريب والإستشارات عضو مشارك في جريدة المدينة عضو مشارك في جريدة الجزيرة حاصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية، له العديد من المقالات الاجتماعية التي تلامس حاجات المواطن. للتواصل عبر الإيميل Soltan.elharby2015@hotmail.com للتواصل عبر تويتر ⁦‪@sultan_almsheti‬⁩
x

‎قد يُعجبك أيضاً

“عناية” كم هي مبادرة نبيلة كتب🖋 عبد العزيز بن سليمان الحسين في بلد العطاء تولد ...

%d مدونون معجبون بهذه: