الرئيسية 5 الصدى الأدبي 5 أسماك حمراء لونت وجه القمر

أسماك حمراء لونت وجه القمر

أسماك حمراء لونت وجه القمر

بقلم الأديب القاص نزار مزهر

قبل رحيلي هذا الربيع ، كنتُ أظن – كما قالت لي جدتي –
أنّها تعصر الزيتون .
وعندما كبرت اكتشفت – كما قالت لي ذاكرتي – سر تلك الأوراق المخبأة بين صرير حجر الرحى وصمت النهر البارد.
معصرة الزيتون ، غدت – فيما بعد – أكثر جمالاً وحزنأ ، أصبحت حجارتها تعزف الموسيقى والزيت ، حجرها الكبير الدائر ، هو حب عتيق لعجوز .
حبٌ لم يتلاشَ أو يرحل مع رحيل الثلج المكدس فوق الجبال ، حب وأغنية سمعها كل الأهالي – طيلة فترة مواسم الزيتون – مع الرياح المطيرة وندف الثلج المحمول بعواصف الشتاء من أعلى التلة ( حبيبي مر من هنا )
في هذا الشتاء ، وأول ليلة ، خفت من ذاك البيت ذي السقف العالي ، كان مزركشاً بصفوف كثيرة من جذوع الأشجار المتلاصقة .
أذكر أني لم أنم حتى الصباح ، فقد تركوني ذاك الشتاء في هذا البيت مع جدي وجدتي، على أمل أن يعودوا ليأخذوني بعد أن يؤمن مسكناً له ولأمي وأخوتي .
حياة أبي كانت مؤلمة ، فالشرطي في هذا البلد ، مثل طيور مهاجرة كل ربيع ، وكأنه محتوم عليه التنقل ، وأن يعيش بتلك الأكذوبة ، سلطته على كل البلاد .
هو أول هطول للثلوج هذا العام ، وأنا عندهم ، أتذكره جيداً، كان لا يزال دافئاً، حنوناً، يجتمع بين جدرانه، دفء دلالهم لي وتمردي ، حتى صار هذا الدلال حباً ونشوة تضخم في داخلي، أنا شعرت بأني ملك صغير، وهم وجدوا بي تسلية لأيامهم الخاوية صخباً، فترة الشتاء الصامت .
متأففا ً، صافح الفجر أخر خيوط الليل مودعاً عتمته وخوفي ، يومها رحت أركض عبر سهول وصخور تلك القرية .
بدت حدودها صغيرة نوعاً ما ، هناك خلف منزلنا ، ثمة نهر يحوي أسماكاً حمراء صغيرة، انتظرتها ملياً ولم تكبر .
ذات شقاوة لي وبين الثلوج ، رحت أبحث عن أي شيء ألعب به، بالمصادفة وجدت علبة سجائر فارغة ، جمعت بعضاً من القش وحشوته فيها ، بدأتُ أدخن محاولاً تقليد سعال أبي ، وكم تمنيت لو أرميها لأشتري غيرها من الحانوتِ الذي وظفته لبيع منتجاتي المعروضة من علب قديمة صَدِئه وأحذية مهملة وقطع قماش رثة وبراغي ، ولكن تباً لها ، لم تفرغ .
أصبح القمر في الليلة التالية بدراً ، تسلل عبر النافذة الكبيرة حتى أنار جزءاً من وجه جدتي النائم أمامي .
حكت لي همساً ، حكاية العجوز ومعصرة الزيتون ، كالعادة لم أستطع النوم ، وانتظرته إلى ما بعد منتصف الليل ، فعندما يصير القمر مكتملاً ، يصبح أكثر غروراً .
فجأة سقط على نافذتي، وحدثني عن أمي ، وهكذا ، كل ليلة أحادثه ويحادثني سراً ، حتى يهدهد لي وسادتي وأنام . كبار القرية قالوا : فقدت عقلها فجأة، وكل موسم شتاء ، تذهب إلى طاحونة المعصرة ، تجلس بالقرب من بابها ، ويداها مغموستان في ماء النهر البارد ، تنتظر رسالة يحملها لها من وحيدها الذي خطفته منها تلك الحرب اللعينة ، اختفى بشكل غامض وكثرت الأقاويل حول مصيره ، فمنهم من قال :
مات في بلاد بعيدة .
ومنهم من قال : طحنته الحرب بين براثنها ، لكنهم لم يجدوا جثته .
لدى جدي ، دفتر صغير ونصف قلم رصاص ، يحمله في جيب سترته ، ممحاته المتآكلة ، محت جزءاً من حدود هذا الكون ، وعجزت عن أغنية تلك العجوز – حبيبي مر من هنا – أن تزيلها من ذاكرتي أو تمحوها .
هو (جدي) ، يشبه كثيراً ، روزنامة معلقة على حائط، ودون أن يدري ، كنت كل يوم – وطيلة فترة الشتاء – أسرق من دفتره الصغير ورقة فارغة، حتى أصبح عندي الكثير منها .
بعد فترة ، أصبح جدي وجدتي دائماً ، يأخذان الصمت بفرح ويذهبان بهِ بعيداً ، لأبقى مغرداً في هذا الخلاء الواسع لحدود بيتهم الكبير ، وحيداً من صمتهم السجين لأوراقي البيضاء. أخذت ورقة وكتبت :
– عجوز في البداية كنت أظنها مجنونة ، بصمتها الجالس أمام باب معصرة الزيتون ،
فجأة اختفت جميع كلماتي ، فقط كلمة واحدة بقيت تسطر الورقة (حبيبتي) ، ورميتها وسط الأسماك الحمراء في النهر تأخذها .
في الليل، عاد القمر كعادته ضاحكاً لي ، أباح لي أن أكتب رسالتي الثانية .
– أبي وعشرات علب السجائر الفارغة ترقص أمامي على إيقاع واحد في ضوء القمر .
أيضاً، اختفت جميع كلماتي ، فقط كلمة واحدة ، علقت في وسط الورقة (حبيبتي) .
في الصباح أسرعتُ لمكتب البريد (النهر) ، ورميتها لموظفيه ذوي السترات الحمراء (اﻷسماك) ، سبحوا معها في النهر ورحلوا .
بعدها، أنا والقمر خلسةً ، في منتصف الليل ، كتبت رسالتي الثالثة .
– ذات يوم تشاجرتُ مع غيمة اصطدمت بي عند المروج ، وركلت بقدميّ ماء النهر ، فتطايرت الأسماك الصغيرة تسبح في الهواء .
هناك فوق شجرة السرو رقصت بعض ٌمنها على إيقاع حجر الرحى وقطرات الزيت .
أيضاً، اختفت كل السطور، فقط كلمة واحدة في عمق الورقة (حبيبتي) .
بين الثلج الأبيض وأصابع يديَ الزرقاء ، ثمة إناء قديم ، فوق مدفأة الحطب ، تكدست داخله حبيبات الثلج الناصع ، البخار الأبيض وسيجارة أبي ، تشكلوا وسط الغرفة، مثل وجه أمي . أخذت ورقتي الرابعة وكتبت :
– أسماك صغيرة صبغت وجه القمر بلون أحمر، وتحول بخار الإناء إلى زيت ، أيضاً لم يبقَ في عمق الورقة ، إلا كلمة واحدة (حبيبتي ).
تناقلت القرى المجاورة، همساً، حول اثنين من المجانين قدموا من أراضٍ بعيدة ، ومن خلف خطوط النار ، كانوا يحكون لهم عن يد ممدودة فوق النهر ، لجثة مصبوغة بلون سمكات النهر الحمراء ، بقيت تتحرك وتكتب أوراقاً بيضاء صغيرة ، لم يصدقهما أحد سوى سمكات النهر وأصابع يديه، ومنذ ذلك الحين، لم يعد يسمع أهالي القرية غناء معصرة الزيتون . رسالتي الأخيرة ،كتبت فيها :
– أربع وأربعون شتاء في حياتي يغنون (حبيبي مر من هنا )
تلك العجوز، وقبل رحيل ذاك الربيع ، لم أعد أخاف صمتها ، فقد أصبح صوتها البارد كخريف عمرها النائم فوق حجر الرحى، جمالٌ في قلبي ، اختلط مع تلك الموسيقى وهدير النهر و(سكسكة) الحجارة ونقاط الزيت .
رحلتُ ولها في ذمتي ، اعتذار ومسامحة مع كل ورقة بيضاء رميتها في النهر .
البارحة ، وأنا أفتش بين الصور ، وجدتُ صورة قديمة لأمي تحملني بين ذراعيها ، وبقايا أوراق صفراء صغيرة ، جميعها كانت تحمل كلمة واحدة

في وسطها (حبيبي)

 

عن أكاديمية روافد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مجاراة ابتداها عبدالعزيز الازوري على منصة الابداع

  مجاراة ابتداها عبدالعزيز الازوري على منصة الابداع روافد العربية  :ناصر بن حويل ( الحُب ...

%d مدونون معجبون بهذه: