الرئيسية 10 كتاب المقالات 10 ماذا بعد الحجر .. حالة من الخمود ؟

ماذا بعد الحجر .. حالة من الخمود ؟

 فاطمة يوسف العواد.

     ينبع الصناعية 

حينما تُذكر الجائحة؛ يتقافز إلى مخيلتنا الحَجر المنزلي، الإحصائيات اليومية، الشائعات عبر الشبكات الاجتماعية، والمحاذير والاحترازات الصحية المنشورة في كل منصة ممكنة.

تحوَّل الأمر مع الوقت، من حالة فزع قد تزول صدمتها بعد شهر أو اثنين، إلى واقعٍ يومي نعيشه بكامل تفاصيله وبطريقته الجديدة، فنحترز من احتضان بعضنا البعض حينما نتلاقى وإن طال الفراق، ونتحرى التسوق في غير أوقات الذروة، كما يتم تخطي بعض التقاليد المعتادة من أجل الحفاظ على سلامة الجميع.

على أن الجميع لم يحسبوا حساب التغيير النفسي الذي سيتبع فترة القبوع في المنازل بلا حراك للأغلبية تقريباً، والذي تبعه بطبيعة الحال؛ نصبٌ بدني وهو الإرهاق طويل المدى، سببه إما الجلوس لفترات طويلة حتى مع بعض الأنشطة المنزلية.

أو بسبب الوقوع في ضغط الانعزال الدائم تحت أضواء النيون المنزلية، فلا ترى العين الشمس إلا لماماً، فأدى في نهاية الامر إلى دخول العديد من الناس في حالة من الخمود.

والخمود” هو مرحلة أبعد بكثيرٍ من الكسل، التي تداهم الإنسان كجزء حتمي من تكوينه، إذ يعتبر الخمود انطفاء داخلي لمشعل الحماسة، ويكون على إثر ذلك الانعزال المجتمعي، وعدم الرغبة في أداء المهام، مع اعتبار أن أقلها يعد مرهقاً، العيب هنا لا يمكن في هذا الشخص الواقع في بوتقة الخمود، بل في عدم استعداده المسبق لدخوله خِضم الكهف النفسي، فعادة يعتقد الناس في أذهانهم أنه بمجرد أن تُزال القوانين الصارمة ضد الانتقال بين المنازل والمدن، حتى ينطلقون بنشاطٍ وهمة لكي يستكملون ما توقفوا عنده، و ينهون مهاماً وأعمالاً كانت حبيسة الانتظار الطويل . ليفاجأ رهطاً منهم أن الأمر أكثر تعقيداً، الرهبة من الاختلاط بالآخر كانت صدمة، والعمل بطرقٍ جديدة لتوصيل (المنتج – تعليم – تقديم خدمة – العمل بشكلٍ شخصي في وظيفة معينة) كل هذا يتم اليوم بأسلوب مختلف، جعل البعض يعيشون عاصفة هلعٍ داخلية، بينما البعض الآخر لم يعد يرغب بالعودة إلى هذه الغِمار، وفضَّل البقاء في الظل لأطول مدة ممكنة.

هذا فقط بخصوص من يعملون؛ ماذا عن أولئك الذين لديهم حياة منزلية من الأمهات وربات المنازل وأصحاب الأعمال التي تدار من البيوت، كلهم أيضاً نالوا حصتهم من تلك العاصفة، إذ استطاعت اللبيبة واللبيب منهم الاستفادة من ذلك الوضع القسري في إنجاز مهامٍ كانت تنتظر، وعودٍ لذات لم يوف بها منذ عهدٍ طال، و الكثير من الأعمال المنزلية والشخصية المعلقة، ليس لأن التجربة كانت أسهل عليهم دون غيرهم ولكنهم حاربوا زحف الخمود إلى أرواحهم والنيل منهم. بما استطاعوا من شد العزم وتجديد الإيمان والثقة بالله ثم الإحتزام بحزام التفاؤل الدائم الذي لا ينثني.

ليس الجميع هكذا! هنالك أناسٌ كَتبوا على أنفسهم آية الخذلان دون أن يشعروا بذلك مطلقاً، فجاء الأمر بصورة تلقائية، وشر ردود الأفعال ما يتأتى كذلك، لم؟

فعادة حينما يختار المرء ردة الفعل السلبية؛ فإنه قد ينخرط بدون شعور في مسارٍ مضجرٍ يفضي في نهايته إلى التعاسة المطلقة، فيرى كل ما حوله، مملاً، ويذرع الأماكن متبرماً بكل ما يمر به، بدءا من تعامله بمن يشتري منه طعامه وشرابه، وانتهاء بمن يخدمه في صحة أو يقابله في طريقٍ بسيارته.

ولهذا أطلقت عليه (شرُ رَدة فعل) إذ أنه عادة ما يجر الآخرون إلى دوامته النفسية الكليلة، فليس يشكو سقماً أو جوعاً أو ضررا، ليس إلا أن الأمور المعتادة توقفت، وصار لِزاماً متابعة الحياة بمنهجٍ جديدٍ لا يُقبل سواه، وإذ هو كذلك فلا يرجى منه العمل أو المبادرة لنفسه بشيء.

يحز في قلبي تواجد أمثال هذا النوع في مجتمعنا، والآن أكثر من أي وقتٍ مضى باتوا واضحون مثل شعاع الشمس يعمي العيون، تفحص بدقة دورة أو أمسية تقام في منصة محترمة؛ تجد شطراً من المشاركين في هذه الدورة أو الأمسية يشغل بالهم فقط الحصول على الشهادة، بينما يعجزون عن إبقاء أذهانهم مع محاور الأمسية والاستماع إلى ذلك المحاضر أو تلك المحاضِرة. فبقدر ما يجد المدرب للعمل وإنتاج مادة علمية قوية لتعليم أو العرض، فإن ثمة من يحضرون هذه المنصات غير مدركين لحجم الإزعاج الذي يسببونه بأصوات أبناءهم وأهلوهم، ناهيك عن عدم توقفهم عن السؤال القاتل إياه: متى نستلم الشهادات؟

إلى صفحة أخرى نرى المنصات الدراسية ترسف تحت وطأة من نوعٍ جديد وهنا المثال أضربه على سبيل الحصر وليس التعميم: تلميذٍ بليدٍ لا يدرك ما يدور حوله ولا يبالي، إلى ولي أمرٍ يعتقد أن الأمر بسيط فيترك الأجهزة الذكية لصغار على الغارب ولا يدرك أحدٌ أننا نسمع ذلك العبث والحماقات تُقال وتُفعل على مرأى من الجميع، وإلى معلمة قد عصي عليها فهم طريقة عمل المنصة، وهي بحد ذاتها أم تعمل على تفعيل منصات أبناءها أيضاً ومتابعتهم.

هل الأمر هنا لأننا نعيش طريقة جديدة للتعليم؟ ليس هذا فقط، ولكن مسألة الخمود التي يعيش فيها كثرٌ فلا يبقى لهم إحساس حي بالمسؤولية تجاه المهام الأساسية الموكلة لهم.

وهذا وقد قامت بلادنا الحبيبة برصد وتوظيف الأموال لاستكمال النظام التعليمي، فلا يصيبه الخلل ومن ثم يصيب أجيالنا التأخر العلمي.

اليوم؛ عادت الحياة تقريباً إلى صورتها القديمة، بيد أن العمل على التخلص من آثار الدمار الذي خلفه الفايروس لا يزال عملاً شاقاً لم يكن كُثُر على دراية بالطريقة المثلى لتعامل معه ، لن أقول إنها مهمة سهلة، على أن القيام بها من خلال منظور التبرم والضجر هو ما يثير استغرابي التام، لم لا يفرح المتبرمين الخامدين ، بسلامة أبنائهم، وأنفسهم، وسلامة البلاد وقيامها على قدميها لنهوض بالاقتصاد وإنعاشه وتقويته،

هل يجب دوماً تقديم الخدمات بلا مقابل؟ فيبقى الخامد راغباً بالمزيد ناكراً للجميل، شاعراً بأن كل شيء يقصر في خدمته:

العائلة، البلاد، المؤسسة التي يعمل بها أياً كان نوعها، ولا يلتفت لرؤية الحقيقة، فقد قام الجميع بما يتوجب عليهم، حان دوره الآن لينفض ثياب الكسل والرقود التي يتسربل بها، و ينتهض فيقدم ما ينبغي عليه حقاً الاضطلاع به، وليس ما يتخيل نفسه يقدمه لناس..

لا يشُعل الموقد في النفس الموات؛ إلا صاحبها!

عن شعبان توكل مسعد

اضف رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

آل سعيد : حيل نفسية لتوفير الراتب

الكوتش سعد آل سعيّد بأن مشكلات كثير من الأسر ..تكمن في سلوك دائم لا ينتبهون ...