الرئيسية 10 كتاب المقالات 10 التولي يوم العنف

التولي يوم العنف

( التولي يوم العنف )

بقلم / أحمد القاري

أمسينا مؤخراً نقرأ في ديوانيات التواصل الاجتماعي و منصات السوشيل ميديا؛ ونشاهد (غير مستمتعين) إلى بعض القنوات الأخبارية السبّاقة إلى بث ما يشق على ذوي النهى، ويسهم في إشاعة (الفاحشة في الذين آمنوا) عن ” حالات تمرد الأبناء على أولياء الأمور؛ ومغادرةِ البنات للبيوت هرباً من التعنيف ” – زعمنَ – برعايةٍ من أخرياتٍ ودعمٍ من آخرين !

هذه الحالات قد تبدو قليلةً مقارنة بالأسر الكريمة والعوائل المحافظة مترابطة الأفراد متماسكة القلوب في المملكة؛ وهي البلد المستهدف بالتغريب والتخريب على وجه الخصوص، حيث لا توجه وسائلُ الإعلام عدساتها إلى هذه الشريحة المجتمعية المنضبطة وهي الأكثر نسبةً والأشد تغييباً عن المشهد ؛ بل تعمد إلى تجاهلها كتجاهل مواقيت الصلاة.

ولي وقفة تساؤل ههنا أخص به أولئك المتمردين على أوليائهم والهاربات إلى نعيم الجحيم :
هل يعقل أن تهتز شجرة بلا ريح؟ أو يصدرَ دخان بلا نار ؟ وتنوحَ ثكلى بلا فقد ؟
إن العقل يرفض تصديق ما يشيع من حالات التعنيف دونما سبب، ونحن المجتمع الأكثر احتراماً وتقديراً للمرأة، وطالما تمنت نساء الغرب أن تحظى بمكانة كما هي الشرقية.
إن الأب الذي تخيّر امرأة لتكون سكناً له واستودع رحمها لذريته (والعرق دساس) و كوّن أسرة يتلطف بصغارها ويستهلك عمره لخدمتهم وحراسة الفضيلة لهم، ناهيك عن المسكن والمأمن والمطعم والملبس، وهو في زحمة التزاماته يراقب هذه الأجسام الصغيرة تنمو وينمو معها حبه ورحمته وعطاؤه وخوفه من أن يلحق بهم أذى أو يمسهم ضر؛ حتماً سيصعب على الفطِن سليم الفهم أن يهضم ما مجّته أكاذيب المعنفات من قسوة وتنكيل ! هذا التلقين الذي ما وجدنا آباءنا عليه، والتنمر على كيان الرجل فقط لأنه رجل .. لندرك إدراكاً واعياً أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن للدخلاء حظاً وافراً من الضغط على الآباء لهدم قوامتهم، وعلى الأبناء لتهشيم قيمهم، وعلى الفتيات لبخس قيمتهم .

من هنا كان متحتماً على ولاة الأمر وأولياء الأمور الحزم لدفع البلاء عن حرمة عِرض الحي والميْت، وحجْر الوباء قبل استيطانه في كل بيت، وإيقاف استنساخ العينات المتمردة من البنات المنساقات إلى حظيرة النزوات ، فما من عنفٍ يصدق أن يطلق عليه (عنف) كما عهدناه من آبائنا إبان تربيتهم لنا، وصقل قوى التحمل فينا، ورغم ذلك (العنف) في زمان الطيبين تخرج من مدارسهم جيلٌ سالمٌ من التكسير لا ينقم على أحد ولا ينتقم من أحد.

وإذا رجعنا قليلاً وتتبعنا خطوط الموضة وأجرينا دراسة على مصطلح التعنيف نجزم أن لاهتراء الوازع الديني الصدارةَ في كل ذلك، وللعقوق المركز الثاني، ويأتي تراخي رب الأسرة في المركز الثالث.
فتمكين الفتى والفتاة من كل أمانيهم و (أهوائهم) يخلق مسوخاً لا توقر كبيراً ولا تجلّ أميراً ولا تأتي خيراً ، والفاروق رضي الله عنه له قولٌ مُليءَ حكمةً ونوراً : (اضربوا على نسائكم بالجوع والعُري) فلأن قلة الطعام تشكم الشدة والبطر؛ و رث الكساء يكسر التعالي والكبر، ولو تأملت أيها الولي الكريم خطة عمر رضي الله عنه وتأملت البعد الثالث والرابع والخامس في قوله؛ لكفاك من كثير من الدبلومات التربوية .

وهنا أقترح على المعنفات حلولاً ممكنة – إن أردن صلاحاً – منها : اللجوء إلى كبير في العائلة ممن له تأثير إيجابي يبني ولا يهدم ينصح ولا يشمت ويكون له تأثير على الولي المعنِف ليصلح والصلح خير، وكذلك استشارة جمعية للإصلاح الأسري وهم مدربون على فن التعامل مع الأزمات، وآخر الحلول اللجوء إلى القانون ليحكم بالعدل مراعية في ذلك حرمة وليها واحترام ذاتها وآخر الدواء الكي .

أما ركضهن إلى مجاهيل الدول اللدودة؛ فلا نفع في ذلك ولا خيرة وستمضغ كلقمة وتلفظ فضلات.

همسة أخيرة أيها المعنَفون والمعنفات :
ضموا أحضان الطهر واخرجوا من دوائر الوزر، وقّروا كبيركم ، وتلطفوا بمن بنوا لَبِناتكم الأولى ، وحافظوا على المسافة النظامية بينكم لا تتعدوها وتعتدوا فيعتدى عليكم .

والله يتولى الصالحين

عن أحمد القاري

أحمد القاري كما عرفه بعض الأدباء: شاعر مدنيٌ فصيح، عصريُ الهيئة، تليدُ المنطق، امتدادٌ لكل الأسماء الثمينة في تاريخ المدينة المنورة، من أبناء طيبة الطيبة، درس على أعلام اللغة العربية، وترنم بالعَروض منذ عقدين من الزمن وأكثر، له مشاركات في محافل الأدب ومنابر الشعر، مجتهد في تقويم الألسنة بالفصحى، هاوٍ في زمن الاحتراف محترف بين هواة، عمل في هندسة المعلومات داخل الجامعة الإسلامية وهندسة الكلمات خارجها، يلقبه محبوه بـ (عطر القوافي)

اضف رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

آل سعيد : حيل نفسية لتوفير الراتب

الكوتش سعد آل سعيّد بأن مشكلات كثير من الأسر ..تكمن في سلوك دائم لا ينتبهون ...