ثأرٌ دفين

هالة خالد بلبوص

كانت قد مرت عشرون سنة، و العجوز مبروك يجلس، كل يوم ، أمام منزله. و كان سكان القرية قد ألفوا هذا المنظر الذي يصدر عن الأشخاص المسنين. غير أن الشيخ مبروك كان يجلس هناك لسبب وجيه. لقد أدرك في ذلك الصباح، عندما شاهد الغريب يصعد في الطريق الوعرة، سائرا ببطء نحو الدكان الوحيد الموجود في القرية، أن كل شيء سيتغير.
وأنّ الانتظار مهما طال زمنه فلابدّ له من أن ينتهيَ، ولابدّ للحقيقةِ أن تظهرَ ولو بعدَ طولِ غيابٍ ، كانت الشّمسُ قد شارفت على المغيبِ ، والعم مبروك يهيّيءُ نفسهُ لدخولِ منزلهِ بعد فترة مكوثٍ خارجه طويلةً ، وبينما يحاول الدُّخول إذ شاهدَ ذلك الشّابّ الغريب يقتربُ نحوهُ ، بعد ماكان اتجاهه صوب دكّان الحيّ .
شرعَ الشّابُّ بالسّلامِ على العمِّ مبروك سائلًا إيّاه إذا كان هو فعلًا ،
_محيبهُ العمّ مبروك : أهلًا ياولدي إنّني هو بشحمهِ ولحمهِ، ولكن خيرًا إن شاء الله .
_ الشّابُّ: كلّ الخير واللهِ ياعمّ بإذن الله..
العم مبروك: طالبًا منه الدخول معهُ إلى منزلهِ.
بعد إكرام الضّيفِ من قبلِ العمّ مبروك ، كان من الواجب على الشّابّ الحديث عن السّبب الذي جعله يأتي للبحث والسّؤال عن العم مبروك،
شاكراً إيّاهُ على حُسنِ الضّيافةِ وطيبِ المعاملةِ ..
بدأ حديثه بطلبِ العفو والصّفحَ عنهُ ، مهما كانت الأسباب..
وأنّه لو لم يعفُ ويصفح فإنّه المحقّ وهو صاحب الحقّ يفعل به ماتحلو له نفسهُ ..
العم مبروك: أدخلتَ الذُّعر إلى قلبي ياولدي ماالذي تودُّ قولهُ، تكلّم ولا تهب شيئًا فإنّك ضيفي وفي منزلي ..
الشّابُّ : مرتبكًا والله ياعمّ لا أعلم من أين أبدأ حديثي وكيف سأقصُّ عليك حكايتي، وهل ستتقبّل ماسأرويه لك أم أنّني سأفتحُ جُرحًا والذي لا أظّنه من الأساس قد أُغلِقَ يومًا ، وخاصّةً بعد معرفتي بمكوثك على الهيئة التي رأيتك بها منذُ عشرين عامًا ..
وأنا الذي جئتُك من ذاك الزّمان ، والذي سأُعيدُ عليك فتح الجراح بزمنه آنذاك .
أتذكرُ الحادثة التي جرت لولدك حازم ، ولم تعلم الفاعل في ذلك الوقت ، أنا من قتل ابنك ياعمّ ولكن من غير قصدٍ والله فما كنتُ أنوي قتله ، وليس لي معه حقٌّ يقودني لفعل ذلك ، لكنّها مشيئة الله وقدره، فقد كنتُ أحاول تصيّد الغزلان وعوض عن اصطيادي لغزالٍ تمنيته ، كانت الرّصاصة الغادرة في صدرِ ولدكَ ، عن غير قصدٍ وها أنا ذا ماثلًا بين يديك وقد أخبرتُك بكلّ ماجرى .
أعلمُ بأنّني المجرم الآن بنظرك وأنّني القاتل لفلذة كبدك وروح فؤادك لكنني المخطئ ، وجلّ من لايخطئ ..
جئتك الآن لأن الندم كان يعتصرني كلّ تلك السنين ولم أتجرأ حتى هذا الوقت لإخبارك ، فإنّ حالي قد تغيّر والمرض قد انتشر بجسدي الهزيل كما تراني ، ولا أعلم إن عشتُ اليوم هل أعيشُ غدًا .
ولا أودُّ في مفارقة أحبابي ووداعي لهذه الحياة وأنا حاملًا ذنب قتل ولدك..
فإن تغفر لي وتصفح عنّي فإنّك الكريم والله لاينسى فضلك ، وإن ترغب بالقصاص فأنا عن الحقّ لستُ أمتنع.
_ العم مبروك: مطأطئًا رأسه والدّموع قد ملأت عيناه الشاحبتان من شدة بكائه على فراق ولده وعدم معرفة غريمه ، والحيرة تستملك قلبه
هل يسامح وينسى ألم قلبه وجرح فؤاده ؟
أم هل يأخذ بحقّه ليهدّئ من روعه، ولكنّه سيعيد فتح باب جديد على نفسه وسيخسر مابقي من عمره ويقضيه في السجن ، والعمر قد مضى والجرح قد مضى عليه الكثير من الوقت وإن لم يندمل ..والآن قاتل ابنه ضيفه وليس من شيم العرب الغدر وخاصة بضيوفهم..
لكنّ الحقد الذي قد تملّك قلبه لم يجعله يفعل ذلك وإنما قد حمل سكينًا وقضى نحره وعندما بدأ الدم بالسيل ارتعش جسده وبدأ يبكي كالطفل فوق جثة الشاب وقد خرج إلى حارته مخبرًا جيرانه بأنه قد أخذ بثأره وعند ارتفاع صوت الصرخات من غضبهم لفعله كان قد صحي العم مبروك من حُلُمٍ قد أزعجه..

عن شعبان توكل

شاهد أيضاً

الشيب يبلي

قالت: سلامٌ قلت: أهلاً وهي ردَّتْ : و(المهلّي) إني عرفتك . شاخ صوتك قلت: لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *