عبَقُ الضَّفائر

محمد الرياني

قال لها من أين جئتِ بهذه الرائحةِ لرأسِك؟ قالت منذ أن أحببتُكَ أحببتُ أن يكونَ رأسي قريبًا منكَ، وأنا إليكَ أقرب، شعورٌ داخليٌّ حزينٌ يحدثه بأن عُمرَ هذه الرائحةِ قصير، سرعان ما يفتحُ عينيه بعدَ لحظةِ إغماضٍ كي يطردَ الأوهامَ ورِجْسَ الشيطان ، تسأله أين ذهبَ تفكيرك؟ كأنَّ رائحةَ اليومِ لم تعجبْك، هل تعلمُ أنني تعمدتُ اليومَ تركيزَ الرائحةِ ليكونَ الودُّ بيننا أكثر، اقتربتْ منه أكثر، مدَّتْ له ضفيرتَها التي على اليمين، شمَّ رائحتها ، مدَّتْ له التي على اليسارِ فأمسكَ بها وأطالَ بقاءها عند أنفه ، ضحكتْ وسحبتْها من عند أنفه، قال لها بالفعل أنتِ اليومَ أروع، قالتْ ولمْ تشمَّ مفرقَ رأسي بعدُ ياحبيبي، وضعَ أنفَه بقوةٍ فانطبعتْ عليها بقعةٌ غامقة ، أغمضَ عينيه وهو يقول : ما أروعَ ريحكِ ياعُمري، وضعتْ رأسَها على الوسادةِ وتنفستْ بعمقٍ ونامَ إلى جوارِها وهو يفكرُ في الهواجسِ التي تطارده، فاحتْ رائحتُها أكثرَ في الغرفةِ وقد تناثرتْ خلطتُها السريَّةُ التي اعتادتْ وضْعَها على رأسِها لتجعلَه أسيرَ حبِّها ، في الصباحِ أراد أن يوقظَها فلم تستجبْ كعادتها، حركتْ رأسَها وبعضُ الذراتِ الفواحةِ تتوزعُ على الوسادةِ وعلى غشاءِ سريرِها، أمسكَ بقدميها وإذا هما باردتان، قبضَ عليهما بقوةٍ فلم تشعر بشيء، هزتْ رأسَها وهي تقول : لا فائدة ، حملَها لإعادةِ الحياةِ لرجليها اللتين دأَبَتا على جلبِ أجملِ رائحة، حاولوا على سريرِ العلاجِ الأبيضِ فعلَ شيءٍ دون جدوى، اقتنعَ بأن يعيشَ مع نصفِ جسدٍ ومع كاملةِ الروح، وعدَها بأن يكونَ نصفَها الحي، سألها عن المكانِ الذي تشتري منه عطرَ رأسها، عرفَ مكانه وأخذَ يملأُ خصلاتِ شعرها ويستروحَ رأسَها ويدَها كما كان يفعل ، قبَّلتْ يدَه التي أمسكتْ بضفيرةِ رأسِها يومًا، وضعَ رأسَه بجوارِ رأسِها، اختلطتْ الرائحةُ وتمازجتِ الأحلام ، وضعَ رجليه على قدميها لعلَّ الدفءَ يعيدُ لها الحياة!

عن شعبان توكل

شاهد أيضاً

اغتراب..

بقلم : أمل مصطفى الوحدة هذا الشعور الغامض الذى يأخذنا بعيدا عمن حولنا ،أسوء أنواعها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.